الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
205
نفحات الولاية
القسم الأول : لم الخشية من الشهادة ؟ « أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ سَئِمْتُ عِتابَكُمْ ! أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ عِوَضاً وَبِالذُّلِّ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً ؟ إِذا دَعَوْتُكُمْ إِلَى جِهادِ عَدُوِّكُمْ دارَتْ أَعْيُنُكُمْ ، كَأَنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ فِي غَمْرَةٍ وَمِنَ الذُّهُولِ فِي سَكْرَةٍ يُرْتَجُ عَلَيْكُمْ حَوَارِي فَتَعْمَهُونَ ، وَكَأَنَّ قُلُوبَكُمْ مَأْلُوسَةٌ فَأَنْتُمْ لا تَعْقِلُونَ ! مَا أَنْتُمْ لِي بِثِقَةٍ سَجِيسَ اللَّيالِي ، وَما أَنْتُمْ بِرُكْنٍ يُمالُ بِكُمْ ، وَلا زَوافِرُ عِزٍّ يُفْتَقَرُ إِلَيْكُمْ » . الشرح والتفسير يستهل الإمام عليه السلام خطبته بامطار أهل الكوفة بوابل عتابه ولومه وذمه لتجاهلهم المخاطر التي كانت تهدد البلد الإسلامي وعدم إكتراثهم لها ، لعل قصبتهم تهتز فيحولوا دون تفاقم تلك المخاطر . فقد كان أهل الشام يشنون الغارة تلو الغارة على مختلف المناطق الإسلامية ويسفكون دماء المسلمين وينهبون أموالهم وثرواتهم . فقد قال الإمام عليه السلام « أف لكم « 1 » لقد سئمت « 2 » عتابكم » ودليل ذلك واضح ، فالعتاب ولا سيما من شخص كعلي عليه السلام لابدّ أن يكون له تأثيراً واضحاً في نفس المعاتبين ودفعهم لإعادة النظر في أعمالهم الطالحة ، إمّا إذا لم يحصل هذا
--> ( 1 ) قال الراغب في المفردت « أف » في الأصل تعني كل شئ قذر وهى كلمة تضجر تطلق للمهانة والاستحقار . فمثلًا يقال « أففت بكذا » أي تضجرت منه واستقذرته . وقال البعض « أف » تعني مايجتمع من الأوساخ تحت الأظافر وقال البعض أن التراب والغبار إذا علق ببدن الإنسان فان نفخه يشيه القول « أوف » أو « أف » ثم استخدمت هذه المفردة بمعنى اظهار التضجر والنفرة ولا سيما من الأشياء الصغيرة . ونخلص ممّا ذكر ومن بعض القرائن إلى أن هذه المفردة كانت في الأصل اسم صوت . ( 2 ) « سئمت » من مادة « سئم » بمعنى الملل ، التي تتعدى أحيانا بحرف من وأحيانا أخرى بدونها ، وسئمتهوسئمت منه . بمعنى واحد ، وعليه سئمت عتابكم بمعنى سئمت من عتابكم .